عبد القادر الجيلاني

75

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

المقالة الثالثة عشرة في التسليم لأمر اللّه قال رضي اللّه عنه : لا تختر جلب النعماء ولا دفع البلوى فالنعماء إليك إن كانت قسمك استجلبتها أو كرهتها ، والبلوى حالة بك إن كانت قسمك مقضية عليك سواء كرهتها أو رفعتها بالدعاء أو صبرت أو تجلدت لرضى المولى ، بل سلم في الكل ، فيفعل الفعل فيك ، فإن كانت النعماء فاشتغل بالشكر ، وإن كانت البلوى فاشتغل بالتصبر والصبر ، أو الموافقة والتنعم بها أو العدم أو الفناء فيها على قدر ما تعطي من الحالات وتنقل فيها . وما تسير في المنازل في طريق المولى الذي أمرت بطاعته والموالاة . لتصل إلى الرفيق الأعلى ، فتقام حينئذ مقام من تقدم ومضى من الصديقين والشهداء والصالحين ، لتعاين من سبقك إلى المليك ومنه دنا . ووجد عنده كل طريقة وسرورا وأمنا . وكرامة ونعما . دع البلية تزورك . خل من سبيلها ، ولا تقف ولا تجزع من مجيئها وقربها . فليس نارها أعظم من نار جهنم ولظى . فقد ثبت في الخبر المروي عن خير البرية . وخير من حملته الأرض وأظلته السماء محمد المصطفى صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن نار جهنم تقول للمؤمن جزيا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي » فهل كان نور المؤمن الذي أطفأ لهب النار في لظى إلا الذي صحبه في الدنيا الذي لمن يمر بها من أطاعها وعصى ، فليطفىء هذا النور لهب البلوى ، ولتجد برد صبرك وموافقتك للمولى وهيج ما حل بك من ذلك ومنك دنا . فالبلية لم تأتك لتهلكك ، لكنها تأتيك لتجربك وتحقق صحة إيمانك وتوثيق عروة يقينك ويبشرك باطنها مع مولاك بمباهاته بك . قال اللّه تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ( 31 ) [ محمّد : الآية 31 ] ، فإذا ثبت مع الخلق إيمانك ووافقته في فعله بيقينك كل ذلك بتوفيق منه ومنة ، فكن حينئذ أبدا صابرا موافقا مسلما لا تحدث فيك ولا في غيرك حادثة ما خرج عن الأمر والنهي ، فإذا كان أمره عزّ وجلّ فتسامع وتسارع وتحرك ولا تسكن ولا تسلم للقدر والفعل ، بل ابذل طوقك ومجهودك لتؤدي الأمر ، فإن عجزت فدونك الالتجاء إلى مولاك عزّ وجلّ ، فالتجىء إليه وتضرع واعتذر ، وفتش عن سبب عجزك عن أداء أمره وصدّك عن التشوّق لطاعته لعل ذلك لشؤم دعائك وسوء أدبك في طاعته ، ورعونتك واتكالك على حولك وقوتك ، وإعجابك بعلمك وشركك إياك بنفسك وخلقه ، فصدك عن بابه ، وعزلك عن طاعته وخدمته ، وقطع عنك مدد